علي ضياء هاشم

           في المدخل لفهم الفلسفة ، أشرتُ إلى لمحة تفسر المقصد الحقيقي لما يُسمى “علماً”، حيث أرى أن الفلسفة في مساراتها التاريخية لم تكن سوى انعكاس لآراء سياسية أو “علماً طُوِّع” لخدمة أجندات معينة. فكيف حدث ذلك؟ في العصر اليوناني ، وتحديداً مع أرسطو ، كان تعريف العلم هو “البحث في أحوال الوجود بما هو موجود”. لكن مع أفول حقبة اليونان وصعود روما، بقيت الفلسفة قائمة بذاتها دون استناد إلى أساس ديني، إلا أنها فشلت في تأمين حياة كريمة روحياً للشعوب؛ مما مهد الطريق لعودة الدين واعداً بإشباع العقول والعواطف معاً. وكما يشير أستاذ الفلسفة “فندلبند”: «إن الفلسفة استخدمت نظريات علوم اليونان لتهذيب آرائها الدينية وترتيبها، لتقدم للشعور الديني المتأجج فكرة عن العالم تقنعه، فأوجدت نظماً “متافيزيقية” تتفق مع الأديان المتضادة اتفاقاً يختلف قلة وكثرة». وهنا تحولت الفلسفة إلى أداة دينية وسياسية بامتياز. في القرون الوسطى، عانت الحضارة الرومانية من هشاشة هيكلها السياسي نتيجة انحلال الأخلاق وتراجع المجتمع، إثر مزج الأديان بالفلسفة. وقد سيطرت الكنيسة على الفلسفة، فجعلتها أداة لإثبات انسجام العقل مع العقائد السماوية، فأُطلق عليها “الفلسفة المسيحية”، ثم تحولت إلى “الفلسفة المدرسية”. لم تكن تلك الحقبة قائمة على الشك أو التفكر الحر، بل اقتصرت على تطويع البحث الفلسفي لخدمة اللاهوت. أما في العصر العباسي، فقد أحدثت ترجمة كتب اليونان ثورة فكرية قادها فلاسفة كبار مثل ابن رشد، ابن سينا، الفارابي، وإخوان الصفا. لكن هذا الانفتاح واجه ثورة مضادة من رجال الدين الذين سعوا لمزج الفلسفة بالتعاليم الإسلامية قسراً، وانتهى الأمر بصدام شهير قاده أبو حامد الغزالي، أدى في النهاية إلى تراجع الفلسفة وحرق كتب الفلاسفة. إنني أعتبر الفلسفة “علماً محرفاً” أو “متغيراً بغير ثبات”؛ لأنه لم يتفق فلاسفتها قط على تعريف واحد، بل كانت كل سلطة سياسية أو دينية تحذف ما لا يناسبها وتضيف ما يخدم مصالحها. فإذا نظرنا إلى “ملا صدرا، كمال الحيدري ، أرسطو، ديكارت، كانت” نجد أنهم يدرسون نفس العلم، ومع ذلك هم مختلفون في مئات المسائل الجوهرية. هنا يكمن مقصدي: إن الفلسفة ، في كثير من وجوهها التاريخية، لم تكن بحثاً مجرداً عن الحقيقة، بل كانت صياغة لآراء سياسية ودينية تحت غطاء فلسفي.

التصنيفات: أخبارمقالات