
البروفيسور : وليد الحيالي
تعالق تحليلي
لا شكّ أن العرض الذي كُتب عن كتاب الدكتور عباس الفياض ينهض بجهدٍ واضح في نقل القارئ إلى فضاء العمل الموسوعي، ويُحسن إبراز اتساع مادته وغزارة مصادره وتنوّع مقارباته النظرية والتطبيقية. غير أن القراءة التحليلية المتأنية تسمح بإضافة جملة من التعاليق التي تُكمّل ما ورد، وتُبرز الإيجابيات، وتشير – بهدوء علمي – إلى بعض الفجوات التي كان يمكن تعميقها.
أولًا: في تثمين الإيجابيات المنهجية والمعرفية
يُحسب للمؤلف، كما أشار العرض بدقة، اعتماده المنهج الاستقرائي التاريخي المقارن، وهو اختيار منهجي صائب في دراسة ظاهرة الريع، بوصفها ممارسة اقتصادية – اجتماعية تتجاوز حدود الزمن والجغرافيا. فالانتقال من مدونات لكش الضريبية إلى التجربة النرويجية الحديثة يمنح الدراسة عمقًا تاريخيًا نادرًا في الأدبيات العربية حول الاقتصاد الريعي.
كما تُسجَّل للكتاب ميزة الانفتاح النقدي على المدارس الفكرية الاقتصادية، من الماركنتيلية إلى النيوكلاسيكية، دون الوقوع في أسر مدرسة بعينها. هذا التعدد يُبعد الدراسة عن التحيّز الأيديولوجي، ويمنحها قدرة تفسيرية أعلى، خاصة عند مقاربة تجارب متباينة سياسيًا واقتصاديًا.
ومن نقاط القوة البارزة كذلك، الثراء الإحصائي والمرجعي؛ فحجم الهوامش والمراجع لا يؤدي وظيفة توثيقية فحسب، بل يشكّل قاعدة بيانات حقيقية للباحثين وطلبة الدراسات العليا، ويُعيد الاعتبار للبحث الاقتصادي بوصفه جهدًا تراكميًا لا رأيًا انطباعيًا.
ثانيًا: في استكمال بعض النواقص التحليلية
مع الإقرار بشمولية الدراسة، يمكن الإشارة إلى أن مفهوم “العقد الاجتماعي الجديد” الذي يدعو إليه المؤلف، رغم أهميته، كان يحتاج إلى مزيد من التفكيك الإجرائي:
• كيف يُترجم هذا العقد إلى سياسات مالية وضريبية ملموسة؟
• وما طبيعة العلاقة بين الدولة الريعية والمجتمع في ظل التحول الرقمي والثورة الصناعية الرابعة؟
كذلك، وعلى الرغم من التركيز المهم على الريع النفطي والموارد الطبيعية، فإن الريع السياسي والمؤسسي (المناصب، الامتيازات، المحاصصة) في الحالة العراقية كان يستحق معالجة أكثر استقلالًا بوصفه ريعًا غير مادي، لكنه لا يقل أثرًا تدميريًا عن الريع النفطي.

ثالثًا: في قراءة الحالة العراقية
يتميّز الجزء الثالث من الكتاب بجرأة واضحة في تشخيص اختلالات الاقتصاد العراقي بعد 2003، ولا سيما في تحليل الموازنات العامة والفساد المالي والإداري. غير أن أهمية هذا الجزء لا تكمن فقط في تشخيص العلل، بل في كونه يضع القارئ أمام سؤال جوهري:
هل فشل العراق بسبب الريع ذاته، أم بسبب غياب الدولة التنموية القادرة على توظيف الريع؟
وهنا تكمن إحدى الإسهامات الفكرية للكتاب، إذ يدفع باتجاه إعادة تعريف المشكلة، من “اقتصاد ريعي” إلى “إدارة ريعية فاشلة”، وهو تمييز بالغ الأهمية في النقاشات الاقتصادية العربية.
رابعًا: في القيمة المعرفية والسياسية للكتاب
لا يمكن فصل هذا العمل عن سياقه الأوسع؛ فهو لا يُخاطب الأكاديميين وحدهم، بل يقدّم مادة ثرية لصنّاع القرار، لو أُحسن توظيفها. كما أن الكتاب، دون أن يرفع شعارات سياسية مباشرة، يُدين ضمنيًا النظم السلطوية الريعية التي حوّلت الثروة إلى أداة قمع بدل أن تكون رافعة تنمية.
خلاصة تقييمية
إن كتاب الدكتور عباس الفياض يُعد إضافة نوعية للمكتبة الاقتصادية العربية، ليس فقط بحجمه وموسوعيته، بل بجرأته التحليلية وثرائه المقارن. وهو عمل يُغري بالحوار أكثر مما يكتفي بالعرض، ويستحق أن يكون مرجعًا دائمًا في نقاشات التنمية، لا سيما في البلدان الريعية التي تبحث عن طريقها من الريع إلى الإنتاج، ومن الدولة الزبائنية إلى الدولة التنموية.
⸻