عندما يخاطب الأدب الضّمير الإنساني ، وتطرح الرّواية الأسئلة الوجودية ..

وفاء بونيف / الجزائر
ربيعة جلطي روائية وشاعرة وأستاذة جامعية ومترجمة جزائرية، تعمل حاليًا أستاذة كرسي بجامعة الجزائر العاصمة – كلية الآداب واللغات (أدب عالمي ومقارن)،شغلت منصب رئيسة الاتحاد العام للكتاب الجزائريين وهران، ومديرة عامة للفنون والآداب بوزارة الثقافة ومستشارة بوزارة الثقافة ( مكلفة بالدراسات). تُرجمت العديد من رواياتها وكتبها الشعرية إلى لغات عالمية؛ منها الألمانية والفرنسية والإنجليزية والإسبانية والهولندية والصينية.ٱخر أعمالها بعنوان { السّرجم} الصادرة عن دار العين. لا أعتبر الرواية عالما مجردا ومنفصلا عنا، تنتهي بمجرد غلق الصّفحة الأخيرة منها، إنّها أداة نستطيع من خلالها بلوغ أعمق نقطة في أنفسنا، نبحر في ذواتنا ولا نخرج من ذلك العالم بأجوبة كاملة، بل هي تساؤلات مستمرة ومتواصلة.كلما بلغت جوابا انبثق من العدم سؤال ٱخر أصعب وأعمق بل وأغرب. السّرجم رواية تعالج قضايا إنسانية متشابكة، وفق أبعاد فلسفية وصوفية. أمّا البعد الفلسفي فهو التّمازج الروحي بين الشّمال والجنوب الّذي خلق تواصلا فكريا لا يحدّه زمان ولا مكان، وكأنّ الماضي يسعفهم فيفتح دفاتر الحضارات القديمة أمامهم، والمستقبل يطاوعهم فيسرد واقع الأجيال القادمة بسلاسة، وإذا عُدنا إلى الجانب الصوفي فهنا تضعنا الكاتبة أمام مشاهد الصّالحين؛ بلباسهم وكراماتهم، بعالمهم الخفي وزهدهم. بالعبرة من حياتهم وأمجادهم الّتي سطرها التّاريخ، فصارت مرجعا روحيا لكلّ من أضاع طريقه واستبدت به ظلمة المادية الّتي طغت في العالم، فأحدثت خللا في الطّباع الإنسانية. زهرة، أجوج، الحاجة درة، الشيخ التقي مبارك، شخصيات صنعت المشهد الإنساني؛ باضطرابه وعفويته، ببحثه عن الحقيقة وتقديسه للحب، بسعيهم لنقل المعرفة ومحاولاتهم لبناء روابط حقيقية بين بني البشر، وكشف للجوانب الّتي تجعل الإنسان يضيق بمن حوله، فلا يكتفي برفضه بل يلغيه تماما، لا يجعل منه مخالفا له بل عدوا يجب أن لا يشاركه المساحة الّتي يقطنها، وإن كانت بوسع الكرة الأرضية.

إنّها كاتبة جسدت واقعنا الحالي الّذي نعيشه؛ من ضلال فكري يعتبر الٱخر المختلف عنه نموذجا يستحق السّحق والتّعنيف الجسدي والمعنوي. وهنا يكمن نجاح العمل؛ في اتخاذ الواقع مرجعا أساسيا للسرد، يزينه الخيال الروائي؛ الّذي لا يلغي الحدث بل يرسم الخطوط البيضاء في ظلّ السّواد العام. ربيعة جلطي الكاتبة الّتي تسرد الواقع البشري المرير بلغة شاعرية، أسلوب مباشر، وحوارات عميقة، تجعلك تسأل عن المعنى، وتبحث عن مخرج للمٱزق الإنسانية المتكررة. رواية تحملك على بساط الصوفية، فتحط بك في عمق الصّحراء، لتعود بك إلى زُرقة الشّمال. وبين هذا وذاك: حُفر، وحجر وأسرار بشرية تُكشف بالمعرفة الّتي تتطلب انفتاحا فكريا، يجعل حامل الفكرة يتقن إيصالها وإن كان أبكما. {تنكَّرتُ في ثوب زائرة ودخلت المحل بحذر أثارتني الرائحة تلك نفسها. تملأ الجو حوله رائحة التربة العَطْشَى بعد انهمار المطر. شعرت بطمأنينة تجتاحني نسيتُ الخارج وما فيه ومن فيه الزوار مثلي، يتحركون بهدوء بين الكتب غير المُرتَّبة. يسألون “أجوج” الأبكم ، فيوجههم بابتساماته وإشاراته. يستمع إلى محدثه باهتمام}، تكون نتيجة ذلك أمانا فكريا يصدر من منبع المعرفة _المكتبة_{الأرفف تكتظ بالكتب المستعملة. منها متماسكة الأغلفة والورق، وأخرى تبدو مهلهلة وكأنها عاشت أزمنة ممتدة … الكتب الدينية والتراثية العتيقة التي تحمل بين صفحاتها قصصًا منسية من عصور مضت كتب الفقه والتفسير وتاريخ الأديان، إلى جانب المخطوطات القديمة … عناوين، فيها ما كتب بوحي الإيمان، وما سُطّر بقلق الفلاسفة، وما حفظ برغبةٍ خالدةٍ في أَلَّا تُنسى. كلما حاولت ترك المحلّ، تستبقيني الرائحة تلك، تجذبني مثل مغناطيس… مررتُ بمحاذاة أجوج، بدت الرائحة الساحرة أقوى. شعرت بدوخة}، أما إذا تفشّى الجهل، وسبق الطمع إنسانية البشر فإنّ نتيجة ذلك دمّار إنساني شامل داخلي وخارجي.
